أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
33
شرح مقامات الحريري
حينئذ الغلام إليه ، وقبّل ما بين عينيه ، وأنشد والدّمع يرفضّ من جفنيه : [ الرجز ] خفّض فدتك النّفس ما تلاقي * من برحاء الوجد والإشفاق فما تطول مدّة الفراق * ولا تني ركائب التّلاقي * بحسن عون القادر الخلّاق * * * * قوله : عقل مناغاته ، أي فهم كلامه ، والمناغاة تكليم الطفل بما يهوى ويفرح به ، فإذا ردّد الصبيّ كلامك أو حاكاك فقد ناغاك . الصّعداء : ارتفاع نفس المهموم . أفلاذ : قطع يريد أولاده ، والفلذة : قطعة من الكبد ، ولفرط الإشفاق به والمحبة في الولد ، يخاطبه أبواه بقلبي وكبدي . وقالوا : أولادنا أكبادنا ، وقال الشاعر : [ الرجز ] وإنما أولادنا بيننا * أكبادنا تمشي على الأرض مراحي : موضع إبلي ودوابّي ، وكنى بخلوّ المراح عن الفقر وذهاب المال . درج : مشى . لوعة البين : حرقة الفراق . هين لين ، هما مع الازدواج مخفّفتان ، فإن أفردتا شدّدتا . قوله : لما درج عن عشّي ، يقول : لولا الفقر ما بعته ما دمت حيّا . وتسرية كربه : إزالة همّه . المنتقاة : المختارة . المدوّنة : المكتوبة المجموعة ، والحديث معروف من طريق أبي سريرة رضي اللّه تعالى عنه ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من أقال نادما بيعته أقاله اللّه عثرته » « 1 » ، أي عفا عن زلّته أبرزه : أظهره ، ويريد بقوله : وفي القلب أشياء : أنه أضمر ألّا يقيله أبدا يرفضّ : يسقط متفرّقا . خفّض : سكّن . برحاء : شدّة . الوجد : الحزن الإشفاق : الخوف . تني : تفتر . * * * ثمّ قال له : أستودعك من هو نعم المولى . وشمّر ذيله وولّى . فلبث الغلام في زفير وعويل ، ريثما يقطع مدى ميل . فلما استفاق ، وكفكف دمعه المهراق ، قال : أتدري لم أعولت وعلام عوّلت ؟ فقلت : أظنّ فراق مولاك ، هو الذي أبكاك فقال : إنّك لفي واد ، وأنا في واد ، ولكم بين مريد ومراد ، ثم أنشد : [ الرجز ] لم أبك واللّه على إلف نزح * ولا على فوت نعيم وفرح وإنّما مدمع أجفاني سفح * على غبيّ لحظه حين طمح ورّطه حتّى تعنّى وافتضح * وضيّع المنقوشة البيض الوضح
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في البيوع باب 52 ، وابن ماجة في التجارات باب 26 ، وأحمد في المسند 2 / 252 ، بلفظ : « من أقال مسلما أقاله اللّه عثرته » .